أحمد بن محمد مسكويه الرازي
196
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الشجاع مع قوى نفسه ، أعني بمقاومة شهواته واستسلامه للشجاعة ؛ فإن حال تلك الحالة الأولى بعينها ، ومن سمع كلام الامام صلوات اللّه عليه « 1 » الذي صدوره عن حقيقة الشجاعة إذ قال لأصحابه : « أيها النّاس إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف على الّرأس أهون من ميتة على الفراش ! » تبين له ان جميع ما أحصيناه للانسان ليس بمعدود فيها . وان كان يشبهها بالصورة ، وذلك أنه ليس كل ما من يقدم على الأهوال فهو شجاع ، ولا كل من لا يخاف من الفضائح شجاع ، وذلك ان من لا يفزع من ذهاب شرفه أو فضيحة حرمه ، أو عند حدوث الرجفات والزلازل والصواعق أو الزمانة في الأمراض ، أو عدم الاخوان والأصدقاء أو عند اضطراب البحر وهول الأمواج وهواء هائج ، فهو بان يوصف بالجنون مرة وبالقحة مرة أولى منه ، بان يوصف بالشجاعة . وكذلك من خاطر بنفسه في وقت الأمن والطمأنينة بان يثب « 2 » من سطح عال أو يصعد مرتقى صعبا ، أو يحمل نفسه على خوض ماء غزير وهو لا يحسن السباحة ، أو يساور جملا هايجا أو ثورا صعبا أو فرسا لم يرض من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك ، بل مراءاة بالشجاعة واظهار مرتبة الشجعان ، فهو بان يسمى مطرمذا مائقا « 3 » أولى منه بان يسمى شجاعا ، واما من خنق نفسه خوفا من الفقر أو الذلّ أو أهلكها بالسم ، وما أشبهه من باب الضيم فهو بان يوصف بالجبن أولى منه بان يوصف بالشجاعة ، وذلك ان الاقدام وقع منه بطبيعة الجبن لا بطبيعة الشجاعة ، فان الشجاع يصبر على ما يرد
--> ( 1 ) . يقصد الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام . ( 2 ) . ثبّ يثبّ ويثبّ : ثبّا وثبابا . الف - جلس جلوسا متمكّنا وثابتا . ب - الأمر : تمّ . ج - يثب : يقفز . ( 3 ) . الإنسان المطرمذ ، أي : الصّلف ، والذي يتفاخر ويتباها بما ليس فيه . مائقا : إمّا يقصد منها : شدة الغضب ، وإمّا ، شدة البكاء ، أي : الذي يبكي سريعا .